بعد عقود من الرقمنة: هل نعيد تصميم التجربة الإنسانية؟
عبدالله الجهني - 30-01-2026
بعد عقود من الرقمنة: هل نعيد تصميم التجربة الإنسانية؟
مدة القراءة المتوقعة: 3 دقائق
على مدى العقود الماضية، كانت رقمنة التجربة هي اللغة المشتركة بين أغلب المشاريع الطموحة. سواء كنا نتحدث عن خدمات، أو تعليم، أو ترفيه، أو تجارة، كان الاتجاه واضحاً: نقل التجربة من العالم المادي إلى العالم الرقمي. من الواقع الحقيقي إلى الواقع الافتراضي. من الحضور الجسدي إلى التفاعل عبر الشاشة. و لم يكن هذا مجرد توجه تقني، بل فلسفة كاملة في تصميم التجارب.
المنطق كان مقنعاً، بل ناجحاً في كثير من الحالات. الرقمنة وعدت بالوصول، بالسرعة، وبإزالة العوائق. التجربة التي كانت تتطلب وقتاً وجهداً ومكاناً أصبحت متاحة في أي وقت ومن أي مكان. مشاريع كثيرة نجحت لأنها فهمت هذه اللحظة مبكراً: التعليم عن بعد، التجارة الإلكترونية، البنوك الرقمية، منصات الترفيه، وحتى بعض أشكال التفاعل الاجتماعي. الرقمنة لم تكن خياراً تجميلياً، بل كانت في كثير من الأحيان سبب النجاح نفسه.
وفي السياق السعودي تحديداً، رأينا كيف ساهم هذا التحول في تسريع النضج. خدمات كانت معقدة أصبحت أسهل، إجراءات كانت مرهقة أصبحت سلسة، وتجارب كانت محدودة النطاق أصبحت واسعة الانتشار. الرقمنة هنا لم تكن ترفاً، بل ضرورة تنموية، واستجابة طبيعية لرغبة الناس في السرعة والكفاءة والوضوح. لكن مع مرور الوقت، بدأ يظهر أثر جانبي لم يكن في الحسبان. صحيح أن رقمنة التجربة وافقت رغبة المستخدم، لكنها في المقابل نزعت عنه شيئاً إنسانياً خفياً. شيئاً لا يظهر في مؤشرات الأداء ولا في عدد المستخدمين، لكنه يُحس في العمق. الشعور باللامادية، بتشابه التجارب و بانخفاض الإحساس بالحضور الحقيقي.
عندما تصبح كل تجربة شاشة، وكل تفاعل نقرة، وكل علاقة واجهة، يبدأ الإنسان دون وعي بفقدان الإحساس بالزمن، وبالمكان، وبالجسد. تصبح التجارب “فعّالة”، لكنها أقل قابلية للتذكر. سهلة، لكنها أقل أثراً. مفيدة، لكنها أقل ارتباطاً بالذاكرة والمشاعر. وهنا لا نتحدث عن فشل الرقمنة، بل عن حدودها الطبيعية. التجربة الرقمية بطبيعتها تُبسّط الواقع. تختصره. تفلتره. وهذا جزء من قوتها، لكنها أيضاً سبب هشاشتها الإنسانية. فالتجربة التي لا تُشغّل إلا حاستين أو ثلاثاً، والتي لا تتطلب حضوراً جسدياً، ولا تترك أثراً مادياً، تظل تجربة “خفيفة” مهما كانت مصممة بإتقان.
من هنا، بدأ السؤال يتغير. بعد سنوات من التفكير في: كيف ننقل التجربة إلى العالم الرقمي؟ بدأنا نسأل: ما الذي خسرناه ونحن نفعل ذلك؟ وهذا السؤال هو ما يفسر ظهور ما يمكن تسميته اليوم بـ “النهضة التناظرية” نهضة العودة للواقع المادي والتجارب الملموسة. ليس كرد فعل غاضب ضد التقنية، بل كمرحلة نضج بعدها. كإدراك أن بعض التجارب لا تزدهر عندما تُرقمن، بل عندما تُعاد إلى سياقها الإنساني الكامل.
نرى هذا في أبسط التفاصيل. مثلاً القراءة الورقية تعود ليس لأنها أكثر كفاءة، بل لأنها أكثر حضوراً. الورش اليدوية تزدهر ليس لأنها تنتج أفضل النتائج، بل لأنها تعيد الإنسان إلى فعل الصنع. الفعاليات الحية تلقى إقبالاً لأنها تمنح شعور “كنت هناك”، لا مجرد “شاهدت ذلك”. في كل هذه الأمثلة، القيمة ليست في النتيجة فقط، بل في التجربة نفسها.
وهنا يبرز سؤال أكثر إثارة للاهتمام: هل الموجة القادمة من المشاريع ستقوم بعكس العملية؟ بدلاً من نقل التجربة من الواقع إلى الافتراض، هل سنرى مشاريع تبني قيمتها الأساسية على إعادة التجربة إلى العالم المادي؟ بل وربما أبعد من ذلك: هل سنشهد محاولات لتحويل تجارب افتراضية بطبيعتها إلى تجارب واقعية ملموسة؟
الفكرة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها منطقية إذا تأملناها جيداً. الألعاب الإلكترونية مثلاً، هي في جوهرها تجارب افتراضية. لكنها في السنوات الأخيرة بدأت تخرج إلى العالم الحقيقي: تجارب واقع معزز، فعاليات حية، مساحات تفاعلية، بطولات حضورية، وحتى مدن ترفيهية تُبنى حول عوالم رقمية. ما يحدث هنا ليس إضافة تقنية، بل إعادة تجسيد للتجربة. نقلها من الشاشة إلى الجسد، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن الاستهلاك الفردي إلى الحضور المشترك. وهذا المنطق لا يقتصر على الألعاب. يمكن أن يمتد إلى التعليم، إلى الثقافة، إلى الترفيه، وحتى إلى بعض الخدمات. مشاريع قد تُعيد التفكير في السؤال الأساسي: ما الذي لو عاشه الإنسان بجسده، سيكون أكثر أثراً مما لو عاشه عبر شاشة؟
في السعودية، حيث تتشكل اليوم مساحات جديدة للتجربة ثقافية، تعليمية، وترفيهية، هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً. نحن لا نبني بنية تحتية رقمية فقط، بل نبني أنماط عيش وتجارب للأجيال القادمة. والاختيار هنا ليس بين واقع افتراضي أو واقع حقيقي، بل بين تجربة تُستهلك بسرعة، وتجربة تُعاش بعمق.
هذا لا يعني أن المستقبل سيكون تناظرياً يركز على الواقع المادي الحقيقي فقط. ولا يعني أن الرقمنة كانت خطأ. على العكس، الرقمنة كانت مرحلة ضرورية ومثمرة. لكنها ليست المرحلة الأخيرة. ما نراه اليوم هو انتقال من “التحول الرقمي” إلى “الاختيار الواعي للوسيط”. أن نستخدم الرقمي حيث يخدم الإنسان، وأن نعيد التجربة إلى العالم المادي حيث تكون الإنسانية هي القيمة.
ما أفكر فيه ليس دعوة للعودة إلى الماضي طبعاً، بل دعوة لإعادة الإنسان إلى مركز التصميم. أن نسأل، قبل أن نقرر شكل التجربة: هل هذه تجربة يجب أن تُعاش؟ أم يكفي أن تُستهلك؟ هل نريد لها أن تمر، أم أن تبقى؟ ففي عالم أتقن فيه الإنسان بناء عوالم افتراضية مذهلة، قد تكون الخطوة الأذكى القادمة هي أن نتقن من جديد بناء تجارب حقيقية، ملموسة، وقابلة للتذكر. ليس لأن التقنية فشلت، بل لأنها نجحت إلى حد يجعلنا الآن نبحث عما بعدها.