هل يجب أن يكون الابتكار ممارسة يومية في الشركة؟
عبدالله الجهني - 09-01-2026
هل يجب أن يكون الابتكار ممارسة يومية في الشركة؟
مدة القراءة المتوقعة: 3 دقائق
يُطرح سؤال الابتكار اليوم وكأنه سؤال بديهي: هل يجب أن تبتكر الشركات يومياً أم لا؟ وغالباً ما يأتي الجواب محمّلاً بتوقعات عالية، وكأن الابتكار فضيلة أخلاقية يجب ممارستها باستمرار، أو مؤشراً مباشراً على حيوية المؤسسة. لكن هذا الطرح، رغم جاذبيته، يتجاوز سؤالاً أكثر أساسية لم يُحسم بما يكفي: ما الذي يجب أن تركز عليه الشركة أصلاً؟
الشركات في جوهرها لم توجد أصلاً لكي تبتكر، ولا لتصمم، ولا حتى لتبدو متقدمة بل لتبني نموذجاً قادراً على خلق قيمة وتقديمها وتحويلها إلى عائد يضمن الاستمرار. هذا الطرح ليس طرحاً نظرياً بل هو القاسم المشترك في الأدبيات الإدارية منذ بداياتها. نموذج العمل هو ما يحدد لماذا توجد الشركة، وكيف تعمل، وما الذي يجعل وجودها مبرراً اقتصادياً. لكن الإشكالية تبدأ عندما يُتعامل مع نموذج العمل وكأنه كيان ثابت، شيء يُبنى في مرحلة التأسيس، ثم يُدار لاحقاً بكفاءة أعلى أو أقل. هذا التصور ربما كان ممكنا في أسواق أبطأ لكن في السياق الحالي نموذج العمل نفسه أصبح عرضة للتقادم ليس لأنه سيئ، بل لأن السياق الذي نشأ فيه تغيّر ويتغير باستمرار. و من هنا يدخل الابتكار على الخط و يصبح الابتكار ليس غاية مستقلة، بل آلية لحماية نموذج العمل من التآكل فهو لا يُمارس لكي تكون الشركة “مبتكرة”، بل لكي يبقى نموذج عملها صالحاً. وعندما يُفهم الابتكار بهذه الصورة، يتغير السؤال جذرياً فبدلاً من: هل يجب أن نبتكر يومياً؟ يصبح: هل نراجع نموذج عملنا بالوتيرة التي يفرضها الواقع؟
في تصوري الابتكار اليومي بمعناه الشائع أصلاً قد يكون خطراً إذا فُصل عن هذا السياق. فشركة تبتكر باستمرار دون بوصلة واضحة قد تنتهي بسلسلة من المبادرات غير المترابطة، أو بمنتجات لا تخدم منطقاً تجارياً متماسكاً. فكما قلنا الابتكار ليس قيمة بحد ذاته، بل يكون ذا معنى فقط عندما يكون موجّهاً نحو تحسين أو إعادة تشكيل نموذج العمل. و بالنسبة لي هنا يظهر الدور العميق والمهم للتصميم، ليس كأداة للابتكار، بل كمنهجية تربط الابتكار بنموذج العمل. التصميم هو ما يسمح للشركة بأن ترى نموذج عملها لا كمعادلة مالية فقط، بل كنظام متكامل من العلاقات الإنسانية، والقيم، والتجارب، والتدفقات.
عندما يُمارس التصميم بهذا المعنى، يصبح أداة لإعادة فهم نموذج العمل. ما القيمة التي نقدمها فعلاً؟ لمن؟ ولماذا تُعتبر قيمة؟ وأي جزء من النموذج يعتمد على افتراضات لم نعد نختبرها؟ هذه الأسئلة ليست ابتكارية بالمعنى السطحي، لكنها جوهرية لبقاء الشركة. و من المهم أن نعرف أن التصميم هنا لا يقترح حلولاً مباشرة، بل يعيد ترتيب طريقة التفكير في النموذج كله. ومن هذا المنظور يصبح الابتكار اليومي نتيجة ثانوية، لا هدفاً مباشراً بحد ذاته. الابتكار يحدث لأن الشركة تفكر باستمرار في نموذج عملها، وتختبره، وتعدّله. التفكير في تحسين في تجربة العميل، تعديل في قناة توزيع، إعادة صياغة عرض القيمة، تغيير في آلية التسعير. هذه ليست “لحظات ابتكار” درامية، لكنها ما يصنع الفرق على المدى الطويل. والتصميم كمنهجية تفكير هو ما يجعل هذا النوع من الابتكار ممكناً دون أن يتحول إلى فوضى. لأنه يفرض إيقاعًا مختلفًا: إيقاع التجربة الصغيرة بدل القرار الكبير، والتعلم المبكر بدل الالتزام المتأخر. وبهذا، يصبح الابتكار خادماً لنموذج العمل، لا عبئاً عليه. وهذا التوازن ينهار عندما يُفصل التصميم عن النقاش حول نموذج العمل، أو عندما يُستدعى الابتكار كغاية مستقلة بذاتها. في هذه الحالة، قد تبدو الشركة نشطة، لكنها تفقد تماسكها الداخلي. وبالتالي لا يفشل الابتكار هنا لأنه صعب، بل لأنه لم يُربط بالسؤال الأساسي: كيف نخلق قيمة مستدامة؟
حسناً لنعد للسؤال الأساسي “هل يجب أن يكون الابتكار ممارسة يومية؟” ما أراه هو أننا لا يمكن أن نجيب على هذا السؤال دون الاعتراف بأن التركيز الأساسي للشركة يجب أن يبقى دائمًا على نموذج عملها. الابتكار ليس بديلًا عن هذا التركيز، والتصميم ليس زينة تُضاف إليه. و ما يقتل الشركات ليس قلة الابتكار، بل فقدان التركيز على ما يجعل وجودها مبرراً أصلًا.
عندما يُفهم التصميم كطريقة تفكير، ويُمارس الابتكار كوسيلة لحماية نموذج العمل، يصبح السؤال أقل إلحاحاً، وتصبح الإجابة أكثر نضجاً: لا يجب أن نبتكر كل يوم، لكن يجب أن نفكر كل يوم في نموذج عملنا، وبأي منطق نُبقيه حياً.