علم الأعصاب الإدراكي وعلاقته بالتصميم المتمحور حول الإنسان
عبدالله الجهني - 04-01-2025
علم الأعصاب الإدراكي وعلاقته بالتصميم المتمحور حول الإنسان
مدة القراءة المتوقعة: 4:20 دقائق
التصميم المتمحور حول الإنسان لا يتعلق فقط بجعل الأشياء "سهلة الاستخدام"، بل يتعدى ذلك ليشمل الفهم العميق لآليات التفكير والشعور والإبداع. وهنا يأتي دور علم الأعصاب الإدراكي، الذي يُعدّ جسرًا بين عالم العلم وعالم التصميم لفهم كيف نتفاعل كبشر مع المنتجات وبالتالي خلق تجارب ذات قيمة حقيقية.
علم الأعصاب الإدراكي هو المجال الذي يدرس كيف تعمل العمليات العقلية والدماغية معًا لتشكيل تجاربنا اليومية. و يمكنك فهم كيفية تفاعل الدماغ مع التصاميم المختلفة باستخدام أدوات متقدمة مثل التصوير العصبي والتجارب السلوكية، هذه المعرفة تُمهّد الطريق نحو إبداع تصاميم تتماشى مع الحاجات العاطفية والعقلية للمستخدمين.
الأسس العلمية لعلاقة علم الأعصاب الإدراكي بالتصميم
1. الإدراك والتفاعل البصري
الإدراك البصري هو البوابة الأولى التي يمرّ بها أي تصميم. عقلك لا يرى الأشياء كما هي، بل يفسّرها بناءً على خبراتك السابقة وحالتك العاطفية. علم الأعصاب الإدراكي يساعدك في فهم كيفية معالجة دماغك للمحفزات البصرية؛ من الألوان إلى الأشكال والحركة. و الدراسات أظهرت أن التناسق والتناغم البصري يُقللان من الحمل الإدراكي، مما يجعل التصميم أكثر جاذبية وسهولة في الفهم.
كمصمم، يمكنك استخدام هذه المبادئ لخلق تصاميم تُوجّه انتباه المستخدم بشكل مدروس وتحقق توازنًا بين الجمالية والوظيفية. على سبيل المثال، الألوان الزاهية تُحفّز الانتباه، بينما الألوان المحايدة توفر شعورًا بالراحة. أيضاً استخدام خطوط واضحة ومتسقة يساعد المستخدمين على التنقل بسهولة مما يُعزز تجربتهم الإجمالية.
يمكنك أيضاً دمج هذه المعرفة مع أدوات التفكير التصميمي مثل خرائط رحلة المستخدم لاختبار التفاعل البصري بشكل منهجي، مما يتيح لك التعرف على النقاط الحرجة في تجربة المستخدم، وتحليل كيفية تفاعل الأفراد مع التصميمات في سياقات مختلفة. هذه الخرائط تساعدك أيضًا على استكشاف الفجوات التي قد تؤثر على سلاسة الرحلة، مثل العوائق البصرية أو المحفزات غير المناسبة، وتقديم حلول محسّنة بناءً على بيانات دقيقة وتجارب واقعية.
2. الانتباه
دماغ الإنسان يتمتع بقدرة معالجة محدودة، مما يجعله يعتمد على آلية التصفية لاختيار المعلومات الأكثر أهمية. هذه الآلية، التي تُعرف بالانتباه، تُحدد ما يستحق التركيز عليه وما يمكن تجاهله. علم الأعصاب الإدراكي يُظهر أن الدماغ يستجيب بشكل خاص للتباين، والحركة، والتسلسلات البصرية الواضحة، حيث تُعتبر هذه العناصر إشارات تلفت الانتباه بسرعة.
على سبيل المثال، عندما يظهر عنصر متحرك أو بلون مميز ضمن تصميم ثابت، فإن مناطق في الدماغ مثل القشرة البصرية تنشط بشكل أكبر. هذه الاستجابة تُساعد الدماغ على التركيز على العناصر التي يُفترض أنها أكثر أهمية أو تحتاج إلى إجراء فوري. كذلك، الترتيب البصري الواضح والتنظيم يساعدان الدماغ على فهم المحتوى بسهولة ودون إجهاد، مما يعزز تجربة المستخدم.
بالنسبة للمصممين، فهم هذه الآليات العصبية يُمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في جودة التصميم. استخدام التباين—مثل الألوان الزاهية مقابل الخلفيات الهادئة—يمكن أن يلفت الانتباه إلى العناصر الرئيسية مثل الأزرار أو العناوين. الحركة المُتدرجة، كإشعارات متحركة أو انتقالات ناعمة بين الصفحات، تُساعد في توجيه المستخدم دون إرباكه. وأخيرًا، ترتيب العناصر بشكل هرمي—مثل النصوص والعناوين والصور—يُسهل فهم المعلومات بسرعة.
التصاميم التي تأخذ هذه المبادئ في الحسبان تُحقق توازنًا بين جذب الانتباه وتقديم تجربة مريحة للمستخدم. بهذه الطريقة، يصبح الانتباه أداة قوية لتحسين تجربة المستخدم وتعزيز تفاعله مع المنتج.
3. العاطفة وصنع القرار
العاطفة تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل تجارب المستخدمين وتوجيه قراراتهم، و الأبحاث العصبية تُظهر أن التفاعل العاطفي يُشكّل تجربتك مع المنتجات والخدمات. في علم الأعصاب الادراكي نجد أن اللوزة الدماغية وهي جزء صغير في الدماغ تلعب دورًا محوريًا في معالجة المحفزات العاطفية. و الأبحاث العصبية تُظهر أن هذه المنطقة تُنشط بشكل خاص عند مواجهة محفزات عاطفية قوية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مما يؤثر بشكل مباشر على الطريقة التي نقيم بها المنتجات والخدمات. على سبيل المثال، إذا كان تصميم منتج أو خدمة يثير مشاعر إيجابية مثل السعادة أو الراحة أو حتى الفضول، فإن اللوزة الدماغية تُحفز إطلاق الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالمكافأة والرضا. هذا يخلق ارتباطًا إيجابيًا بين المستخدم والمنتج. من جهة أخرى، إذا أُثيرت مشاعر سلبية مثل الإحباط أو الخوف نتيجة تصميم سيئ أو تجربة معقدة، فإن ذلك يؤدي إلى تنشيط استجابة التوتر، مما ينفر المستخدم ويؤثر سلبًا على تقييمه.
بالنسبة للمصممين، فهم دور اللوزة الدماغية يعني القدرة على تصميم تجارب تستهدف إثارة الاستجابات العاطفية المرغوبة. يمكن تحقيق ذلك من خلال عناصر مثل الألوان، النصوص العاطفية، القصص الإنسانية، وحتى الأصوات التي تعزز الإيجابية. بهذا الشكل، يصبح التصميم أداة للتأثير النفسي، مما يساهم في بناء ارتباطات طويلة الأمد مع المستخدمين.
4. الإبداع وحل المشكلات
الإبداع ليس عملية عشوائية، بل هو نتيجة تعاون معقد بين شبكات دماغية متعددة تعمل بتناغم لإنتاج الأفكار وتقييمها وتنفيذها. علم الأعصاب الإدراكي يكشف أن شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) تلعب دورًا رئيسيًا في مرحلة استكشاف الأفكار الجديدة. هذه الشبكة تنشط عندما يكون الدماغ في حالة "راحة"، مثل أثناء أحلام اليقظة أو التأمل، حيث يتم الربط بين ذكريات وخبرات وأفكار متفرقة لتوليد مفاهيم جديدة.
في المقابل، تأتي الشبكة التنفيذية (Executive Network) لتأخذ زمام الأمور بعد توليد الأفكار. هذه الشبكة تُشرف على تقييم الأفكار الناتجة، التحقق من جدواها، وتحديد أفضل الطرق لتنفيذها. على سبيل المثال، إذا خطرت فكرة مبتكرة خلال جلسة عصف ذهني، فإن الشبكة التنفيذية تُساعد في تصفية الخيارات وتحديد الخطوات العملية لتحويل الفكرة إلى واقع.
التفاعل بين الشبكتين هو ما يُميز العملية الإبداعية. في حين أن شبكة الوضع الافتراضي تُشجع التدفق الحر للأفكار دون قيود، تعمل الشبكة التنفيذية كحارس يوازن بين الإبداع والفائدة العملية. الأبحاث تشير إلى أن التنقل السريع بين هاتين الشبكتين هو ما يُمكّن الأفراد من حل المشكلات بطرق مبتكرة وفعالة.
للمصممين والمبدعين، فهم هذا التعاون بين الشبكات الدماغية يمكن أن يُعزز من إنتاجيتهم. على سبيل المثال، تخصيص وقت للتأمل أو العمل في بيئات تُحفز الإبداع يمكن أن ينشط شبكة الوضع الافتراضي، بينما تُخصص جلسات موجهة لتقييم الأفكار ووضع خطط العمل لتنشيط الشبكة التنفيذية. هذا التوازن بين التفكير الحر والتفكير المنظم هو مفتاح الإبداع الناجح.
5. الذاكرة وتجربة المستخدم
الذاكرة ليست مجرد عملية استرجاع للمعلومات لكنها البنية الأساسية التي تربط المستخدم بالمنتج وتؤثر على تفضيلاته وقراراته المستقبلية. تشير الدراسات العصبية إلى أن الدماغ يتذكر التجارب التي تحمل عناصر عاطفية أو مفاجئة بشكل أفضل. يعود ذلك إلى دور مناطق مثل اللوزة الدماغية والحُصين والذي يُعزز التفاعل العاطفي من تخزين التجارب في الذاكرة طويلة الأمد.
على سبيل المثال، عندما يقدم منتج تجربة فريدة أو مليئة بالمفاجآت الإيجابية، مثل تصميم واجهة مبتكر أو ميزة غير متوقعة تُلبي حاجة للمستخدم، يتم تخزين هذه التجربة في الذاكرة بمزيد من التفاصيل. من جهة أخرى، القصص ذات الأبعاد الإنسانية تُنشئ رابطًا عاطفيًا قويًا، مما يجعل المستخدم يتذكر المنتج بشكل أكثر وضوحًا على المدى الطويل.
للمصممين، هذه المعرفة تُشكل فرصة ذهبية لتصميم تجارب لا تُنسى. استخدام السرد القصصي في تسويق المنتجات، مثل تقديم سيناريوهات تُبرز كيف غيّر المنتج حياة المستخدمين يُمكن أن يخلق ذكريات عاطفية تربط المستهلك بالمنتج. وكذلك تصميم واجهات تفاعلية تُحفز المشاركة وتجعل المستخدم يشعر بأنه جزء من القصة يُساهم في تعزيز هذا الارتباط.
على المستوى العملي، يمكن للمصممين التركيز على خلق لحظات "واو" (Wow Moments) في تجربة المستخدم—لحظات مفاجئة أو مؤثرة تجعل التجربة مميزة ومثيرة للذكرى. هذه اللحظات المدعومة بفهم علم الأعصاب للذاكرة، تجعل المنتج ليس مجرد أداة، بل جزءًا من حياة المستخدم.
علم الأعصاب الإدراكي ليس مجرد نظرية لكنه أداة قياس وتحليل. وباستخدام تقنيات مثل التصوير العصبي وتتبع حركة العين، يمكنك اختبار كيفية تفاعل المستخدمين مع تصاميمك في الوقت الآني. على سبيل المثال، يمكن قياس مدى انتباه المستخدم لعناصر واجهة محددة أو تحليل استجابته العاطفية عند التفاعل مع تصميم معين. هذا التأصيل العلمي يُمكّنك من تحسين التصاميم بشكل يعتمد على بيانات دقيقة بدلاً من الافتراضات.و كمصمم، لديك الآن فرصة لتوسيع رؤيتك التصميمية باستخدام علم الأعصاب الإدراكي والذي سيُمكّنك من فهم أعمق للكيفية التي يفكر بها المستخدم ، ويشعر، ويتفاعل. ومن خلال دمج هذه الرؤى مع أدوات التفكير التصميمي، يمكنك إنشاء تجارب تتجاوز مجرد "الاستخدام" لتصبح تجارب تُحاكي العقول وتلامس الأرواح. والتقدم في هذا المجال ليس مجرد خطوة نحو تحسين التصميم، بل هو إعادة تعريف لعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا والعالم من حوله.