هل تصفح مواقع الإلهام يحصر الإبداع؟ (تجربة عملية)

إستلهام

رؤى التويم - 10-01-2019

هل تصفح مواقع الإلهام يحصر الإبداع؟ (تجربة عملية)

مدة القراءة المتوقعة: 3:12 دقيقة

نشوء الفكرة

منذ بدئي العمل في مجال التصميم ودراسته أكاديميا، كانت تشغلني فكرة ما، كانت مجرد تساؤلات وأفكار لم تتبلور، مرة كنت أتساءل لماذا يتشابه نتاج المصممين، ومرة أتضايق من وصف بعض التصاميم بالقبيح والسي لمجرد أنها لم تتوافق مع التصاميم العالمية المشهورة، وأحيانا أفكر في منشأ الفكرة ومن أين أتت ومالذي جعلها تكتسب روعتها وجودتها، وغيرها من التساؤلات التي تتعلق بالأفكار، والإبداع، والأصالة.

وعندما درست مقرر البحث الموجه في السنة الأخيرة من دراستي للتصميم الجرافيكي، كانت فرصة لي أن أبلور فكرتي وأبحث عنها بطريقة بحثية منهجية واضحة، فبعد تحليلها لخصتها بالتساؤل التالي: هل يؤثر تصفح مواقع الإلهام قبل الشروع في التصميم على حصر الإبداع؟ (وأعني بمواقع الإلهام المواقع التي تعرض إنتاج مصممين آخرين مثل:بنترست، بيهانس، إنستجرام، وغيرها)، ولا أنكر أن أستاذة المادة أُحبطت قليلا عندما سمعت الفكرة، كانت لا ترى جدواها كثيرا وهي التي عقدت علي الآمال، لكني أصررت على الفكرة وأكملتها.

الفكرة  العامة  للبحث

من  الممارسات  الشائعة  التي  يُحث  عليها  في  مجال  التصميم،  تصفح  مواقع  الإلهام  قبل  التصميم  طلبا  للإلهام  واستجلابًا للفكرة،  والذي  ينظر  في  نتاج  المصممين  الحالي  يرى  فيه  كثيرًا  من  التشابه  والتكرار،  ولاحظت  أن  ذلك  قد  يرجع  -في  بعض أسبابه- إلى  مسألة  التصفح  لمواقع  الإلهام  قبل  الشروع  في  التصميم،  مما  يجعل  عملية  التفكير  الإبداعي  أقل  فاعلية والأفكار  أكثر  محدودية. بينما  لو  ترك  المصمم  لعقله  الوقت  للتفكير  في  المشروع  ذاته،  منشئه،  وأسلوبه،  والغاية  منه،  سيجد أفكارًا  أوسع  وأكثر  تجددًا. وهذه  المشكلة  جعلت  الكثير  من  الأعمال  تتشابه،  والإبداع  يُحصر. فضلًا  عن  أن  معظم  النتاج التصميمي  في  هذه  المواقع  أجنبي،  وهذا  قد  يجعلنا  نتأخر  في  سَلَك  التصميم  غير  مبتكرين  شيئًا  جديدًا  أو  منهجًا مختلفًا.

وفكرة  أن  مواقع  الإلهام  تحصر  الإبداع  فكرة  غير  مألوفة  ولم  يُتطرق  لها  كثيرًا،  فلذلك  تواجه  استنكارًا،  فلا  يتصور  أحد  أن مواقع  الإلهام  - تلك  التي  تحتوي  على  هذا  الكم  من  الأفكار- ستحصر  الإبداع،  فتلك  مفارقة  بالنسبة  للكثير. ولكي  يصل البحث  إلى  نتيجة  دقيقة  وواضحة  أجريت  تجربة  عملية  على  عينة  محددة  وسأوردها  باختصار.

التجربة العملية

أخذت 20 طالبة تصميم جرافيكي من نفس المستوى، وقسمتهن على فئتين، شرحت للفئتين موجز المشروع بشكل مختصر، والذي كان تصميم غلاف قطع شوكولاتة، وأعطيتهن 45 دقيقة للتجربة، وفي نهاية التجربة طلبت من كل طالبة كتابة سبب اختيارها لهذا التصميم والخامة. والفرق أنني أتحت لفئة (أ) تصفح مواقع الإلهام، ومنعت فئة (ب) عن ذلك، وعوضًا عن ذلك أعطيت فئة (ب) أوراق تساعد في عملية التفكير التحليلي من خلال طرحها لعدة أسئلة تحفز الذهن على التفكير.

نتائج التجربة

- فئة (ب) تنوعت فيها الخامات بشكل أكبر من فئة (أ)، من خلال استخدام خامات متنوعة مثل الكرتون، ورق الكرافت،المخمل، البلاستك، السلك الحديدي، البامبو، الاكريلك. بينما في فئة (أ) اقتصرت الخامات على الكرتون والورق.

- فئة (ب) تنوعت فيها النتائج بشكل أكبر من فئة (أ)، من خلال استخدام هياكل تصميمية متنوعة فهناك هيكل بشكل المهفة (تصميم واحد)، وهيكل بشكل شخصية كرتونية (تصميم واحد)، وهيكل بشكل غير متماثل الجانبين (تصميم واحد)، وهيكل بشكل زر يضغط وتسحب منه المنتجات (تصميم واحد)، وهيكل يحاكي علبة المناديل (تصميم واحد)، وهيكل أخذ شكل المنتج (تصميم واحد)، وهيكل بشكل هرمي (تصميم واحد)، وهيكل بشكل المثلثات المتفرقة (تصميم واحد)، وهيكل بشكل الصندوق التقليدي (تصميمين).
بينما في فئة (أ) اقتصرت الهياكل التصميمية للمنتج على الشكل السداسي ( 3 تصاميم)، وشكل الرفوف (تصميمين)، وشكل الصندوق التقليدي ( 3 تصاميم)، وهيكل يأخذ شكل المنتج (تصميمين).

- فئة (ب) تنوعت فيها الأسباب بشكل أكبر من فئة (أ)، فاثنان من تصاميم فئة (ب) رُبطا بمواقف شخصية، بمعنى أنهما حققا الأصالة في التصميم، بمقابل صفر لدى فئة (أ) وتكرر سبب (لأنه بسيط) 6 مرات في فئة (أ)، بينما لم يتكرر ولا مرة في فئة (ب).

الحق أنني لم أتوقع أن تسفر النتائج عن حصر التصفح للإبداع بهذا الوضوح، كنت متخوفة قليلا من أن لا تؤتي التجربة نتيجة واضحة يعول عليها، لكنني تفاجأت وتأكدت من هذه الفكرة أكثر، أيضا فاجأت النتائج أستاذة المقرر التي لم تؤيد فكرتي في البداية، لكنها انبهرت جدًا بالنتيجة ورشحت البحث للنشر في مجلة علمية بداعي الفرادة والتجدد.

الفرق بين النقل والابتكار

منذ بداية تكوين دماغ الإنسان لحظة نشأة الجنين في بطن أمه وهو يسجل ويتلقى بيانات ومعلومات ويستمع للأصوات ويحس بالأشياء ويحتفظ بهذه البيانات، الصوت والملمس والشعور ولاحقًا الرؤية. فكل إنسان يختلف في تكوين عقله عن الآخر، فالمواقف التي مر بها إنسان في طفولته تختلف عن غيره، حتى لو كانا أخوين في نفس المنزل، فإن تكوين عقليهما مختلف. فهذا العقل بفرادته واختلافه، لا بد أن يعطى تقديرًا واهتمامًا وأن يستعمل في توليد الأفكار والإتيان بالحلول والإجابات للأسئلة، فمن ظلم العقل نسفه جانبًا والانتقال مباشرة إلى مشاهدة أعمال مصممين آخرين وعقول أخرى في هذا العالم، وكأن المصمم هنا يقر بأن عقله بلا قيمة فهو مضطر أن يرى نتاج عقول أخرى ليحاكيه. وهذا لا يعني أنني ضد تصفح مواقع الإلهام، لكن أن يكون عامًا في أوقات متفرقة، ولا يكون في صلب المشروع المراد عمله، بل يكون لمعرفة أين وصل التصميم وما هي آخر مستجداته للإثراء المعرفي بشكل عام، فالمصمم بهذه الحالة يمتص ويهضم المعرفة ثم يخرجها لاحقا بشكل مختلف، وهذه الشعرة الفاصلة بين النقل والابتكار.

طرق أكثر إبداعًا

وأختم بأن هناك الكثير من الطرق التي تحفز الذهن على الإبداع، منها مثلًا الاستلهام من الطبيعة، ففي تلون أوراق الخريف وازدهار ورود الربيع، وفي تموجات البحار والشطآن، وتنوع الصخور والرمال، ملايين الأفكار والحلول والإجابات التي تفتح ذهن الإنسان وتقفز بأفكاره إلى بعد آخر، حتى حينما يلجأ المصمم إلى تصميم منتج متحرك، فإنه يفكر ويتأمل في مفاصل جسمه والتي من خلالها يجد جميع حلول الحركة. وكذلك قد يستلهم من التاريخ بأساطيره وقصصه وثقافات شعوبه، ومن ماضي الإنسان وحياته الشخصية، والعصف الذهني، والتفكير التحليلي، وحلقات النقد الجماعية وغيرها من مصادر جلب الفكرة.


Abdullah Aljohaniجزالة